علي محمد علي دخيل
25
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
تتلوه الشياطين وتأثره وترويه كان كفرا إذ برأ سليمان ( ع ) منه ، فإن اليهود أضافوا إلى سليمان السحر وزعموا أن ملكه كان به فبرأه اللّه منه وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا انهم سحروا ، فعبر عن السحر بالكفر قوله : يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ إنهم ألقوا السحر إليهم فتعلموه وقوله : وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ المراد : أن الشياطين يعلمون الناس السحر ، والذي أنزل على الملكين ، وإنما أنزل على الملكين وصف السحر وماهيته وكيفية الاحتيال فيه ليعرفا ذلك ويعرفاه الناس فيجتنبوه ، غير أن الشياطين لما عرفوه استعملوه وقوله : وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ يعني الملكين . أي لا يعرّفان صفات السحر وكيفيته حتى يقولا ، أي إلا بعد أن يقولا ، إنما نحن فتنة ، أي محنة ، لأن الفتنة بمعنى المحنة والاختبار والابتلاء ، وإنما كانا محنة من حيث ألقيا إلى المكلفين أمرا لينزجروا عنه ، ويمتنعوا من مواقعته ، وهم إذا عرفوه أمكن أن يستعملوه ويرتكبوه فقالا لمن يطلعانه على ذلك : لا تكفر باستعماله ، ولا تعدل عن الغرض في إلقائه إليك ، فإنه إنما ألقي إليك لتجتنبه لا لتفعله فلا تفكر بالعمل بالسحر فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما أي من هاروت وماروت ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ إنهم يوجدون أحدهما على صاحبه ويبغضونه إليه فيؤدي ذلك إلى الفرقة وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي لا يلحقون بغيرهم ضررا إلّا بعلم اللّه وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ معناه : يضرهم في الآخرة ولا ينفعهم وقوله وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ يعني اليهود الذين نبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم علموا لمن استبدل السحر بدين اللّه ، فالهاء في اشتراه كناية عن السحر فماله في الآخرة من نصيب ، وقوله : وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ يعني بئس ما باعوا به حظ أنفسهم حيث اختاروا التكسب بالسحت وقوله : لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ما يصيرون إليه من العقاب الدائم . 103 - ثم قال سبحانه وَلَوْ أَنَّهُمْ يعني الذين يتعلمون السحر ويعملونه آمَنُوا أي صدقوا بمحمد ( ص ) والقرآن وَاتَّقَوْا السحر والكفر لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ أي لأثيبوا وثواب اللّه خير لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أي لو كانوا يستعملون ما يعلمونه . 104 - لما قدّم سبحانه نهي اليهود عن السحر عقّبه بالنهي عن إطلاق هذه اللفظة فقال سبحانه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا كان المسلمون يقولون : يا رسول اللّه راعنا ، أي استمع منا ، فحرّفت اليهود هذه اللفظة فقالوا : يا محمد راعنا وهم يلحدون إلى الرعونة ، يريدون به النقيصة والوقيعة ، فلما عوتبوا قالوا : نقول كما يقول المسلمون ، فنهى اللّه عن ذلك بقوله : لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا ، وقال قتادة : إنها كلمة كانت تقولها اليهود على وجه الاستهزاء ، وقال الباقر عليه السلام : هذه الكلمة سب بالعبرانية ، إليه كانوا يذهبون ومعنى انظرنا : انتظرنا نفهم ونتبين ما تعلمنا وقوله وَاسْمَعُوا معناه : استمعوا ما يأتيكم به الرسول وَلِلْكافِرِينَ بمحمد ( ص ) والقرآن عَذابٌ أَلِيمٌ أي موجع . وكل ما في القرآن يا أيها الذين آمنوا فإنه نزل بالمدينة . 105 - ثم أخبر سبحانه أيضا عن اليهود فقال : ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ معناه : ما يحب الكافرون من أهل الكتاب ولا من المشركين باللّه من عبدة الأوثان أن ينزل اللّه عليكم شيئا من الخير الذي هو عنده من القرآن والشرائع بغيا منهم وحسدا وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ المراد برحمته هو النبوة وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ هذا خبر منه سبحانه ان كل خير نال عباده في دينهم ودنياهم فإنه من عنده ابتداء منه إليهم ، وتفضلا عليهم من غير استحقاق منهم لذلك عليه ، فهو عظيم